السيد محمد حسين فضل الله

111

من وحي القرآن

وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ الذاريات : 19 ] . وعلى هذا الأساس ، فإن الممتنعين عن الإنفاق الواجب ، يظلمون الفقراء في أكل أموالهم التي جعلها اللَّه لهم في شريعته ، فيعاملهم اللَّه - في الآخرة - معاملة الظالمين الذين يقفون وحدهم يوم القيامة أمام اللَّه ليواجهوا الحكم الصارم عليهم بالعذاب ، فلا شفيع لهم لديه ، لأن الشفعاء لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، ولا وليّ لهم ولا نصير من اللَّه ، لأنه لا تملك نفس لنفس شيئا في ذلك الوقت العظيم ، والأمر يومئذ للَّه وحده . أما إسرار الصدقات وإعلانها ، فلا مانع منه في أيّ جانب كان ، إذا كانت هناك مصلحة في ذلك ، فقد تكون المصلحة في الإعلان إذا كان ذلك موجبا لتشجيع الآخرين على الإنفاق ، وذلك من خلال طبيعة المنافسة الموجودة لدى بعض الأشخاص الذين لا يقومون بأعمال الخير إلا إذا قام بها أحد من نظرائهم ، أو من جهات أخرى تتصل بالمنفق أو بالمنفق عليه أو بالآخرين . . . وقد تكون المصلحة في الإسرار إذا كان المنفق عليه من أهل الستر والعفة الذين قد لا يريدون الظهور بمظهر المحتاج لما في ذلك من إساءة إلى كرامتهم ومكانتهم ، فلا بد في مثل هذه الحال من حفظ هذا الجانب من شخصيتهم في حالات العطاء . . . وربما كان في الإسرار جانب تربوي يتصل بشخصية المنفق ، لما في ذلك من الدلالة على إخلاصه وقربه من المعنى العميق للقيمة الروحية البعيدة عن كل ما يشوبها من الرياء بابتعادها عن كل شيء يوحي بمعرفة الآخرين . وقد رجّح اللَّه في نهاية الآية جانب السر ، فإنه الأصل في الصدقة من حيث هي عبادة مقرّبة إلى اللَّه ، مما يجعل جانب الإخلاص فيها مرتبطا بالبعد عن كل ما يربطها بالمعاني الذاتية للإنسان . إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وتعلنوها أمام الناس لتكونوا قدوة لهم في الإنفاق ، ليكون سنّة اجتماعية من خلال تكاثر الذين يتحركون في هذا